نبش الرماد ..
الإهداء .. لتلك الفاتنة التي وهبت قلبها يوما ً في أرض لا يحصد منها إلا السموم !
لها .. تلبية لطلبها مني
لها وحدها هذه .. القصة !
♥
أمسكـْـت فاتن بـرأسها وهي تهمس لذاتها .. لا أريد أن أتذكر شيء لا أريد .. رباااااه !
كانت تمسكه وكأنها تمنع أي ذكرى من الخروج والتجسد أمامها بكل سخرية !
وقفت أمام المرآة .. مسحت على وجهها بكل حنان .. وكأنها تواسي نفسها بنفسها !
تذكرت بكائها في الليلة السابقة .. صفاء عينيها من كحلتها هو ما ذكرها .
برغم كل ذلك كانت عيناها أجمل مما تعودت عليه من خط الكحل العريض .
في تلك اللحظة دخلت عليها أمها التي قالت لها أنها كانت تتكلم أثناء نومها ! .. وتركتها مع أفكارها !
دفنت رأسها بالوسادة وكأنها تعاقب نفسها عضتها وهي تلوم ذاتها .. إلى متــــى إلى متى سأعطي هذا الإنسان من كل خلية في جسدي حقه .. أتلف خلاياي العصبية والقلبية والعينية !
وهل يستحق هو هذا الشيء ؟ .. لأول مرة منذ عرفته تصرح بــ لا .. لا يستحق إلا أن يسحق ويوضع في قمامة قذرة تليق بسموه !
أربع سنوات منذ تربع على عرش كل ما فيها .. حتى جاء اليوم الذي نطق فيه بكلمة هزة كيانها .
كانت تعلم أنها مغرمة به ..ولكنها لم تعي ذلك فعلا ً حتى قال لها .. محتار !
هذا الرجل هذا الجبروت .. يحتار !!
وبماذا ؟ بحبها !
كانت تعلم أنهم مفترقون لا محالة .. وأن الأبدية ليست منهجهم .. ولكن أن يحتار هو !!
هو يحتار بها هي ؟
بعد كل محاولات الابتعاد التي خاضتها ضده .. وبعد انتصاره فيها بالبقاء معها .
يأتيها اليوم حاملا ً حيرته وأعذار مجهولة جدا ً .
تتنهد وهي تتذكر .. كانت روحها تخرج وتعود من جديد بعد كل آه .
رضخت لرغبته .. كانت تترنح وتعاود الاتصال به بعد شهر وآخر .
حتى ارتكبت أغبى ما تفعله عاشقة !
قطعت بأظافرها حتى الاحترام و المعزة بينهم !!
كررت اعتذارها بأذل أساليب الاعتذار .. كيف لا وهي تعلم حتى الساعة أنها تسببت بتوتره ولو للحظة !
♥
كان يا مكان في قديم الزمان …
باحت لبسمة أعز صديقاتها بقصتها .. كانت تحتاج هذا الكم الهائل من الأخوة لتبوح لها الضياع الذي تعيشه .
تلك الصديقة كانت تتعجب هذا الحب تجاه اللاشيء !
وكانت تعبر عن ذلك لها .. لا يستحق كل هذا .. الحب جعل منك عمياء !
كانت فاتن تبرر .. أنت لا تعرفينه .. رغم ما يفعله فهو طيب القلب !!!!!!
بسمة : عميااااء .. وسأثبت لك ذلك !
أعطت فاتن رقمه لبسمة !
لما لا كل ما في الأمر أنها تريد أن تسمع صوته بأي طريقة كانت .. وأن ترى كيف سيتعامل مع أنثى أخرى .. بسمة ستكون تلك الأنثى !!
جاء صوته عبر الذبذبات .. ليلخبط كل قوانين النبض لديها … يااااااااااااااه كم اشتاقت لهذه النبرة .
ولكن ويح قلبها .. ويحه !
هاهو يأخذ ويعطي .. وهي تسمع !
كادت تسحب الجوال وتصرح له .. أنا هنا أنت تحاول اغاضتي لأنك اكتشفت ذلك .. أنت لست هذا النوع الذي يكون لأي واحدة !
بسمة لن تربح التحدي .. وتكون كما تقول هي عنك !
لكنه لازال يأخذ ويعطي .. وهي تسمع !
انتهت المكالمة .. عاود الاتصال !!
زادت اللعبة إثارة .. صار يعرف الآن ان من تكلمه تعرف من هو ومن ويكون .. ولكن كيف ؟
صمم أن يعرف كيف .. بالتي هي !
أدمن الاتصال .. مع أن لا جواب يتلقاه إلا أنه لازال يتصل !
وإن حصل رد .. يأخذ ويعطي .. وهي تسمع !
أين هو الوقت الضيق الذي كان يتعذر لفاتن به .. أين أشغاله .. لا لا بل أين كرامته التي كان يتباهى بها حتى سبب لها الصداع مع كل مره يأتي بذكرها وكأنه لا يعلم أن الله كرم بني آدم أجمعين !
تشعر أحيانا ً أنه يحاول ملئ نقص ما أمامها .. لكنها تحبه !
هنا مع كل اتصال كان يتسلل خارج قلبها شيئا ً فشيئا ً
النساء أيضا ً يكرهون التكسي العمومي !
حتى ظهر رقمه هذه المرة على شاشتها هي !
لتخر مكانها وكل أطرافها ترتجف !
كانت تحتاج للكثير من الوقت لتكون مستعدة لهذه المواجهة .. فعاودت التنفس وهيئت نفسها واتصلت به .
كان هادئا ً .. صوته جرفها لذاك الحب الذي عاشته معه طويلا ً !
قال : اشتقت لك !
جلست حيث كانت .. شعرت بشيء جديد بداخلها شيء مختلف جدا ً جدا ً .. تناست فعلتها مع بسمة
وقالت بانكسار : أتعلم أنها المرة الأولى التي تقول لي هذه الجملة !
حب بهذا العمق لم يــُـصرح بها ولو لمرة بالشوق !!!
تبادلا الأحاديث .. كانا يتذكران مشوارهما معا ً منذ الوهلة الأولى .
كانت بين الجملة والأخرى تنوي الاعتراف .. فحب بهذا الحجم يغفر لها صفارة الإنذار لكل ما جرى .
أم أنها تأثر الصمت لكي لا تخسر هذه اللحظات ؟
وإن أخبرته فبماذا تخبره .. تخبره بأنها تعلم أنه خائن .. وأنها تحبه !
أي فراغ هذا الذي تركه في حياتها حتى يجعل منها تمثال ضعف ؟!
كانت تكرر وبكل ما فيها كلمة أحبك .. وكأنها كانت تريد أن تعوض الأيام التي حــُـرمت من قولها !!
ناداها .. فلبا قلبها من قبلها منتظرا كلمة ً أحبك من شفتيه !
إلا أنه شتمها !!
اتسعت فتحة عينها .. علمت حينها أنه أصبح على دراية بأنها خلف كواليس ما حدث معه طوال العشرين يوم الماضين !
وبعد كل التفاصيل التي تذكراها سويا ً صرح لها بندمه وخيبة أمله الممزوجين بصدمته بها .
أصبحت في موضع المــُــذنب .. اعتذرت حتى خجل الاعتذار من اعتذارها .
فليس هناك أشد من أن تبتز أنثى رجلا ً بمعلومات عنه .. وهو لا يعلم من أي مصدر أتت !
ليــُـصدم .. أن أكثر أنثى أحبته على الأرض هي الشاهد على ما حدث !
تألمت فراقهما بهذه الطريقة .
أحست بسمة بالذنب تجاه ما حصل فحاولت الإصلاح مع تمسكها بأنه لا يستحق أي ذرة من الاحترام.
كلمته بسمة .. وكانت فاتن بجانبها
بررت له .. اعتذرت منه .. ولكن لا فائدة ترجى !
ومع مرور الوقت في الأخذ و العطى … وهي أيضا ً تسمع !!!!
صرح أنه غفر كل شيء إلا أنه لا يغفر للمحبوبة التي خانت .
أي فؤاد يستحمل ما يحصل .. يغفر كل ما حصل إلا أنه لا يسامحها بحجة الحب ؟؟.
ماذا لو كان ما بينهم بغض !
بدا يبوح لبسمة بالكثير عن حبهما .. ولكنه بين كل فترة يكرر ويــُـصر أن فاتن ولا شيء في حياته .. وأنه أنهاها منذ شهور طويلة .
كان قلب فاتن ينزف .. وبسمة ممسكة بيدها تقويها .. فهي من لمست كل تعابير وجهها في جميع الحالات مع هذا الرجل .. وتعلم جيدا ً من هذا الوجه أنها تــُـطعن !
وفي الختام .. طلب من بسمة أن يتبادلان الاتصال .. وأن لا تأتي بذكر فاتن أبدا ً أبدا ً .
لم تطق ما تسمعه .. فكل الحب الذي كان يملئها تجاهه تحول إلى كره بغيض .. إلى رائحة نتنه تخنقها .
فلم تتردد ولو للحظة أن ترسل له هذه المشاعر لتعلمه أنه حثالة من حثالات المجتمع !
وكعادته .. الرجل البطل الخارق .. أخذ يتباهى بما فعل مبررا ً أنه كان يعلم بوجودها .. وهذا أقل ما يفعل بها !
كيف تصدق أنه يتعمد كل هذا وهي من لمست استدراجه الحقيقي لبسمة .. تماما ً كما فعل معها قبل أعوام .. خصوصا ً أسلوب التأكيد واليقين بأن الطرف الأخر مشغول بالتفكير به .
كانت بالفعل .. غبية حين أحبته .
♥
عادت لها أمها متعجبة لكونها عادت على فراشها رغم الوقت المتأخر .. فتعذرت بتعبها !
خرجت أمها وعادت للواقع .. مر على هذه الحادثة خمسة أشهر .. نسته لأنه لا يستحق التذكر .. عرفت أن ما عاشته معه ليس إلا وهم .. كانت تعلم من بسمة بين الفترة والأخرى أنه يعاود الاتصال .. باتهامها أنها تتصل من أرقام غريبة به .
هل يقول هذا ليرضي غروره .. ليرضي شعور داخله أن فاتن لازالت تتذكره ؟
فاتن .. التي قال عنها يوما ً أنها إن أحبت أحبت بكل ما فيها وإن كرهت تكره حتى النخاع !
فكيف به أن يتوهم أنها ترغب في سماع صوته .. وهي من فسخته وعاشت في سعادة !
ولكن في الأمس رأت في عين بسمة سر عميق .. عميق جدا ً .
حاطت الجدية والحزن المكان الذي يجمعهما .. ماذا تخفي بسمة ؟
سألتها بسمة ألا زلتي تذكرينه ؟
قالت مبتسمة : بالكاد !
ابتسمت لان الأيام بل لان الشهور كفيلة لأن تنسيها ما فعله ! وقد تكون لحظة غضب فهي أكثر من واجه غضبه وما ينطقه خلاله !
صرحت لبسمة أن عيد ميلاده بعد شهرين وأنها تنوي التهنئة لتطيب النفوس .. فمهما حدث عشرة السنوات لها قيمتها وإن كانت رخيصة !
انفجرت لحظتها بسمة .. عيناها تخرج منها كل معاني الاشمئزاز تجاه هذا الرجل !
أخبرتها أن في آخر اتصال بينهم حاول استدراجها بصريح العبارة أنه يحبها !!!
وأن ما عاشه مع فاتن ما كان إلا كابوسا ً .. كيف لا وهي مريضة نفسيا ً تتصل عليه يوميا ً .. تلوم انشغاله وتطلب منه أن يحادثها عند اشتياقها !
وهل أصبح الحب مرضا ً نفسيا ً .. أليس الحب هو الرغبة المجنونة في التواصل .. أليس العتاب دليل المحبة .
أي قصة حب هذه التي عاشتها مع من لا يقدر مشاعرها ؟!
أي نوع من البشرية هذا .. من يطلب من أقرب صديقاتها الحب ويصرح لها بأنه مرتبط منذ زمن .. وأن هذا لا يمنع بأن يـُـحب .. هل هو مقتنع بما يقول أم ليقنع بسمة – الذي قال لها سلفا ً أنه يشعر بحبها ! - لكي تخون خطيبها كما يفعل بشكل عادي جدا ً مع خطيبته !
من يبدو هنا في هذه الخريطة المعقدة مريضا ً نفسيا ً ؟!
ليس هناك أصعب من أن ينكر لك من أحببت كل ما فعلت لأجله .
كانت رغم قوتها ضعيفة حد الانكسار .
أوليس الضوء نتاج الانكسار ؟
أوليس الضعف في غير الحب مذله .. والضعف في الحب غرااام ؟
لا تستطيع أن تنكر أنها عاشت معه أيام جميلة جدا ً .. ولكن كيف له أن ينكر ذلك .. كيف له أن يستحمل علاقة حب كل هذه السنوات وهو يعتبره كابوس !؟
عشقت كل ما هو أزرق لأجله .. فهي في كل مرة تنظر لأزرق تتذكر رسالته " حبيبك هلالي يا حلوه " !
في كل مرة تفكر في شرب شيء ساخن .. كانت تطلب موكا كرميل !
فقط لأنها سمعته مرة يطلب ذلك .. مرة فقط !
حفرت الميــم في قلبها لأنه حرفه !
كل هذا الحب من هذه العاشقة كابوس يا رجل .. أي مريض نفسي أنت ؟
بسمة كانت تسمع كل هذا مع هلوستها !
فازت بسمة بإثبات المنفي .. لا يستحق شيء !
تظاهرت فاتن حينها بالقوة لكي لا تجعل بسمة تندم بإخبارها .. احتضنتها بقوة قبل خروجها فهي أسمى معاني الإخاء !
لله درك يا بسمـــة .. لا تلومه فاتن إن كان فعلا ً وقع في غرامها !
♥
طــُـرق الباب لتعود من جديد للواقع .. لم تكن أمها هذه المرة كان خطيبها !!
قفزت من سريرها متفاجئه تحدث نفسها: كيف جاء هذا إلى غرفتي .. كيف اخترق المنزل وصولا ً إلى هنا !
لا بل كيف أخترق أمي وأبي وأخوتي ؟ ليصل إلى غرفتي المكركبة و شكلي الغبي بهذه البيجامة وهذا الشعر المنثور عشوائيا ً .
لازال واقفا ً هذا المشاغب ينظر لعينيها نظرة عميقة .. وهي تبادله النظرة بل النظرات
تارة في عيناه ذات الرموش الطويلة مرورا ً بملامح وجهه الرومانية وطوله الجبار !
أي مقارنة بينه وبين ذاك الميم .. إجهاض في حق هذا الوسيم !
قال لها: فاتنــة
تجمدت مكانها .. فتقدم إليها وكرر : أنت فعلا ً فاتنة .. أنت وردة .
موقفها لم يسعفها ولا بكلمة .. وضْعــُـها وما كانت تفكر به وكل تلك الأشياء جعلتها تنزل عينيها !
هذا من يستحق الحب فعلا ً .. رغم أنها لم تصبح خطيبته إلا قبل شهرين إلا أنها عرفته جيدا ً .
أخرج من جيبه علبة بها دبلة جديدة .. كانت قد فقدت الدبلة الأولى في أحد المطاعم سهوا ً .
لا تقل فخامة ً ولا روعة ً عن تلك .. بل قد تزيد !
كان منحوت بداخله " أهدي هذا الخاتم فاتنتي " .
رفعت رأسها وقالت : أين أنت منذ سنوات ؟
فقال: كنت أنتظرك تكبرين .
ارتمت بحضنه بكل قوتها حتى نزلت رحمة رب العالمين لتدخل روحه قلبها .. وتحبه للأبـــد !
♥
نعم هو من فاز بها .. فتاة مكتملة الصفات أما الآخر فقد خسر تلك الطفلة المجنونة التي دفعت ضريبة حبها له كاملة ً .
هذه الروح التي تمتلكها فاتن وصفاء النية .. لا تستحق إلا حياة سعيدة تحت ظل من يستحقها رغم الغلطة .
أما هو .. فلا سامحه الله حتى يوم يبعثون !
♥ آلاء اليحيى ♥
تمت .. 16 فبراير